عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

362

اللباب في علوم الكتاب

وثالثها : اسمعوا ما أمرتكم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيدا عليهم ، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصغاء إلى ما يقول . وتقدم الكلام على معنى « العذاب الأليم » . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 105 ] ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 105 ) لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعاندة وصفهم بما يوجب الحذر منهم فقال : « ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا » فنفى عن قلوبهم الودّ والمحبة لكلّ ما يظهر به فضل المؤمنين . قوله : « مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ » : في « من » قولان : أحدهما : أنها للتبعيض ، فتكون هي ومجرورها في محلّ نصب على الحال ، ويتعلّق بمحذوف أي : ما يودّ الذين كفروا كائنين من أهل الكتاب . والثاني : أنها لبيان الجنس ، وبه قال الزمخشري ؛ لأن « الَّذِينَ كَفَرُوا » جنس تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون بدليل قوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [ البينة : 1 ] . قوله : « وَلَا الْمُشْرِكِينَ » عطف على « أهل » المجرور ب « من » و « لا » زائدة للتوكيد ؛ لأن المعنى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كقوله : « لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ » بغير زيادة « لا » . وزعم بعضهم أنه مخفوض على الجوار ، وأن الأصل ولا المشركون ، عطفا على الذين ، وإنما خفض للمجاورة ، نحو بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [ المائدة : 6 ] في قراءة « 1 » الجر ، وليس بواضح . وقال النحاس : ويجوز : ولا المشركون بعطفه على « الذين » وقال أبو البقاء رحمه اللّه : وإن كان قد قرىء : « ولا المشركون » بالرفع فهو عطف على الفاعل ، والظاهر أنه لم يقرأ بذلك وهذان القولان يؤيدان ادّعاء الخفض على الجوار . قوله : « أَنْ يُنَزَّلَ » ناصب ومنصوب في تأويل مصدر مفعول ب « يودّ » أي : ما يود إنزاله من خير ، وبني الفعل للمفعول للعمل بالفاعل ؛ وللتصريح به في قوله : « مِنْ رَبِّكُمْ » ، وأتي ب « ما » في النفي دون غيرها ؛ لأنها لنفي الحال ، وهم كانوا متلبّسين بذلك .

--> ( 1 ) ستأتي في المائدة 6 .